
بقلم / أحمد درويش العربى
لم أكن أعرف أن الرحيل يمكن أن يكون بهذا الثقل.
كنت أظنه فراغًا، مساحة صامتة،
لكنه في الحقيقة كائن حيّ،
يتحرك في البيت،
يجلس على كرسيها،
ويمد يده إلى صدري كلما ظننت أنني اعتدت.
مرّ شهران على رحيل سلوى،
وما زلت أكتب اسمها على هاتفي
حين أريد الاتصال بها،
ثم أتذكر…
فأغلق الشاشة سريعًا،
كأنني ضبطت نفسي متلبسة بجريمة لا تُغتفر.
سلوى لم تكن أختي الكبرى فقط،
كانت أمًّا مؤقتة،
وأبًا صامتًا،
وكانت البيت حين لم يعد لدينا بيت.
بعد وفاة أبي،
كنت أنا في السابعة عشرة،
أظن أن الحياة انتهت.
أمي انكسرت بسرعة،
وأخواتي الأصغر تعلقن بسلوى
كما يتعلق الغريق بخشبة وحيدة وسط البحر.
لم تبكِ سلوى أمامنا يومها.
دخلت الغرفة، أغلقت الباب،
ثم خرجت بعد ساعة
وهي تمسح وجهها وتقول:
هنكمّل.
ومنذ تلك اللحظة،
بدأت حياتها تتراجع
لكي تتقدم حياتنا.
عملت،
ودرست،
وتنازلت عن أشياء كثيرة
لم نفهم قيمتها إلا بعد فوات الأوان.
كانت تفرح لنجاحنا
كأنه نجاحها وحدها،
وتخفي تعبها بابتسامة مدروسة،
لا تزيد ولا تنقص.
كبرنا.
تخرجنا.
تزوجتُ أنا.
حصلت أختي الثانية على وظيفة تحلم بها.
استقرت الثالثة.
وبقيت سلوى… كما هي.
لم نلاحظ أنها لم تتغير.
لم ننتبه أنها لم تعش.
كنا نحبها، نعم،
لكن حبنا كان أنانيًا.
نحبها لأنها موجودة،
لأنها ثابتة،
لأنها لا ترحل.
كنا نخاف من فكرة غيابها
أكثر مما نخاف على صحتها،
أو قلبها،
أو أحلامها التي لم تسأل عنها أحدًا.
حين قررت السفر،
قالت لنا إنها تحتاج بعض الوقت،
تغيير جو،
إجازة طويلة.
ضحكنا.
سلوى لا تأخذ إجازات.
سلوى لا تبتعد.
اعترضنا.
تعلّقنا بها أكثر.
قلنا لها إن البيت لا يُحتمل بدونها.
وإننا نحتاجها.
وإننا لا نعرف كيف نكون دونها.
لم أقلها وقتها،
لكنني الآن أعرف:
كنا نقيّدها بحبنا.
في المطار،
كانت هادئة على نحو مخيف.
عانقتنا واحدًا واحدًا،
طويلًا،
كأنها تحفظ ملامحنا عن ظهر قلب.
حين جاء دوري،
شدّت على يدي وهمست:
خليكِ قوية.
ضحكت وقلت:
وأنتِ؟.
ابتسمت.
ولم تجب.
لم نعرف أنها كانت تودّعنا إلى الأبد.
مرّت الأسابيع.
اتصالات متقطعة.
رسائل قصيرة.
ثم… صمت.
قلنا إنها مشغولة.
قلنا إنها تحتاج وقتًا.
قلنا إن سلوى تعرف ماذا تفعل دائمًا.
حتى جاء الاتصال.
رقم غريب.
مدينة بعيدة.
صوت رجل يتحدث ببطء،
كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا نائمًا داخلنا.
قال اسمها.
قال إنها كانت مريضة.
قال إنها كانت وحدها.
قال إنها رحلت بهدوء.
لا أتذكر بقية الكلمات.
أتذكر فقط أن الهاتف سقط من يدي،
وأنني جلست على الأرض
كطفلة ضاعت منها أمها في الزحام.
سافرنا لاستلام أغراضها.
غرفة صغيرة.
سرير أبيض.
نافذة تطل على شارع صاخب.
لم يكن هناك شيء يدل على حياة كاملة،
إلا حقيبة ملابس،
ودفتر صغير
خبأته في درج الطاولة.
كان الدفتر رسالتها الأخيرة،
لكن ليس لنا…
لها.
كتبت فيه عن الألم
وكأنه ضيف ثقيل،
وعن الخوف
وكأنه ظل لا يفارقها.
كتبت عنّا كثيرًا.
عن قلقها علينا إن علمنا.
عن خوفها أن نترك كل شيء
ونجلس نعد أنفاسها الأخيرة.
لم أرد أن أكون سبب انكساركم،
هكذا كتبت.
يكفيني أنني كنت سبب نجاتكم.
بكيت حتى شعرت أن صدري سينفجر.
لماذا لم تخبرنا؟
لماذا اختارت الموت وحدها؟
لماذا لم تمنحنا حق الوداع؟
ثم جاء السؤال الأقسى:
هل كنا سنسمح لها أن ترحل بسلام
لو علمنا؟
أظن أننا كنا سنحبسها بيننا،
نراقبها،
نحرس أنفاسها،
ونطلب منها أن تبقى…
حتى لو كان البقاء يؤلمها.
الآن،
أمشي في البيت
وأرى آثارها في كل شيء.
في ترتيب المطبخ.
في طريقة طيّ الملابس.
في التفاصيل الصغيرة
التي لم نكن نراها
لأنها كانت تفعلها بصمت.
أشتاق لها
وأشعر بالذنب.
أحبها
وأكره نفسي قليلًا.
سلوى لم تهرب.
سلوى أنقذتنا مرة أخيرة،
حتى من حزننا عليها.
رحلت كما عاشت:
تحمل الألم وحدها،
وتترك لنا الحياة.
ولو عاد بي الزمن،
لكنت قلت لها شيئًا واحدًا فقط:
ليس من العدل أن تكوني قوية دائمًا…
كان يحق لكِ أن تتعبي.
لكن كل تلك الكلمات كل تلك المشاعر صارت بلا قيمة …





